( أبين الغد )
وأنا أتابع الخطط والنقاشات والاستعدادات النهائية التي تقوم بها بعض مكاتب التربية بالمحافظات، وقبيل انطلاق امتحانات نهاية العام لفت نظري ما حل بالتعليم في اليمن من انحدار وضعف وهشاشة،
مؤلم أن أقولها رغم قسوتها أن التعليم يحتضر ويلفظ أنفاسه ما قبل الأخيرة، طلاب لا يقرأون ما يكتبون، ولا يكتبون ما يملأ عليهم!، ولا يريدون أن يفهموا أصلا، كيف ذلك؟! أكبر طموح عند كثير منهم كيف يكتب رسالة على الجوال فقط لما يكبر.
طالب في سادس ابتدائي تقول له "اقرأ الذي كتبته"، يتوقف ويتهجى ويتأتأ ويتصبب عرقا فينطقها غلط!، يكتب "مدرسه" وينطقها "مدرس"، ليس لأنه غبي بل انطفى عنده الحماس والميول والرغبة في التعليم، لو طلبت منه واجب منزلي يأتيك اليوم التالي وقد كتب خرابيش ولا يهم ما يكتب فقط همه تمتلأ الورقة فقط من أجل يخلص.
أما في الثانوي الوضع أردى قليلا، طالب ما يفرق بين التاء المربوطة والمفتوحة، وبين النون الساكنة والتنوين... مصيبة، وأما من هم أعلى منهم بقليل ما يعرف يكتب صفحة واحدة بدون 20 غلطة، أو أن يعبر بنصف صفحة يتحدث فيها عن آماله وطموحه بصيغ سليمة ومحترفة.
زمان كنت أسأل الطالب "ماذا تريد تكون لما تكبر؟" يقول طبيب، مهندس، طيار، اليوم أسأله نفس السؤال كثير منهم يقول عسكري، قايد كتيبة، أما الأخير فقالها لي وبكل صراحة وبدون خجل "أشتي أعرف أكتب وأقرأ عشان أرسل رسالة واتساب لما بكبر".! خلاص هذا أعلى سقف طموحه كيف يكتب ويفك شفرة رسالة على الواتساب.
يا حر قلباه لماذا كل ذلك؟ الجواب ببساطة لأنه يشوف أخوه أو جاره متخرج من سنين وجالس في البيت، يشوف الشهادة ما جابت له وظيفة ولا كسرة خبز، يشوف المنهج والقصائد الوطنية اللي تعلمها كلام على ورق ما لها دخل في حياته، من وجهة نظره يرى المنهج مظلل وكل اللي تعلمه لا يسقيه ماء، منهج (حشو وتنظير وتحقيق) ثم يعود ويقول في نفسه "لماذا أتعب كل هذا التعب! أدرس وأجوع سنين وفي النهاية دون وظيفة؟، يفكر في نفسه سأختصر الطريق وألتحق بالعسكرية جندي بألف ريال سعودي فهي طوق نجاة مما نحن فيه.
في تقرير مطول قرأته بأحد المواقع عن شكوى الجامعات المحلية تشتكي من تناقص عدد الطلاب الراغبين الالتحاق بها، وأن العدد في تناقص كل عام وبشكل مرعب، بعد أن سُجّل عن إغلاق عدد من الأقسام الهامة فيها، أو مفتوحة بنصاب طلاب قليل لا يجاوز عدد الأصابع.
البعض قد يلقي التهمة على المعلم أنه مقصر ومنفر وطارد للمتعلم، حقيقة المعلم وللأمانة لا يُلام فهو الآخر يعاني اضعاف ذلك، راتبه ضعيف ومجتمعه ماعاد يقدره ويجله، مما دفع بالبعض منهم للبحث عن مصدر رزق آخر يلبي احتياجات أسرهم، وفوق هذا ممنوع يعاقب وممنوع يشد، ومطلوب منه ينجّح الطالب حتى ولو مستواه ضعيف مما زاد من كارثية المشهد، فصار موظف ينتظر راتبه الهزيل المتقطع الذي لا يكفيه لأسبوع، بالإضافة وكما قلت أعلاه أن الطالب نفسه ماتت رغبته في التعلم ومواصلة التعليم وصار يشوف التعليم تعب بلا نتيجة.
لذلك لو أكملنا الطريق بهذا الحال دون معالجات "إسعافية" من قبل الحكومة فإنني أضمن بعد فترة وجيزة راح نصحى على جيل لا يقرأ ولا يكتب، ولا حتى كيف يفكر وماهو هدفه في الحياة، جيل "تايه" عايش يأكل ليعيش فقط.
فعليه إن أردنا تلافي الأمر وفي نقطة أولى يجب إصلاح ومعالجة وتحمل المسؤولية عن ما لحق المعلم من أذى "صريح" وإقصاء وتهميش منذ أكثر من عشر سنوات والاعتذار منه أولا وأخيراً، وإعادة تأهيله بما يتوافق مع تطور التعلم النشط في الدول المجاورة حتى الطالب نفسه يلاحظ أن الذي يتعلم يتوظف ويحترم ويرفع قدره ويُجل شأنه، ثانيا..
تغيير طريقة التدريس، اجعلوا الحصة عبارة عن نقاش تجربة "لعب، مرح"، ربط الرياضيات بالبقالة، والعلوم بالطبيعة المحيطة، لأنه إذا فهم "لماذا أتعلم هذا"، راح يتعلم بحب،
ثالثا.. مرة أخرى أعود للمعلم يجب إعطاء المعلم راتبه بما يكفي ويسد حاجته ولا ينظر لوظيفة أخرى، مع تقليل الضغط عليه وإرجاع هيبته بين الناس، فالمعلم المحترم يصنع طلاب محترمين، والمعلم المكسور يطلّع جيل مكسور،
وأخيرا "الرسوب"..
الطالب اللي في الصف الخامس ما يعرف يقرأ لا يطلع الصف السادس مثلا، لأن المعيار المعمول به الآن كيف يقرأ وماذا يكتب فقط، يجب أن يعيد العام فالقسوة اليوم رحمة لبكرة، والنجاح المجاني هو اللي قتل الدافعية عن الطلاب الراغبين في التعليم، وبهذا نكون قد وفقنا لتدارك الأمر.

تعليقات
إرسال تعليق