المصدر ( أبين الغد ) آراء
تترسخ في المشهد اليمني حالة من الجمود العسكري المعقد، تحولت معها الحرب من مواجهات مباشرة تتغير فيها الخرائط والسيطرة، إلى مرحلة استنزاف طويلة الأمد.
هذا الواقع الميداني لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتيجة معادلة ثنائية طرفاها: "عدم القدرة" لدى جماعة الحوثي، و"غياب الرغبة" لدى السلطة الشرعية في خوض معركة برية حاسمة، مما أنتج استراتيجية جديدة قائمة على إلحاق أكبر قدر من الضرر بالطرف الآخر "عن بُعد" دون إحداث أي تغيير ملموس في الحقائق على الأرض.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون للشأن المحلي أن هذه المعادلة الحاكمة أسهمت بشكل مباشر في إطالة أمد الصراع وتأخير الحسم العسكري، حيث سعى كل طرف إلى تطوير أدواته القتالية للوصول إلى العمق أو تحصين نقاط التماس دون تكبد خسائر في العنصر البشري عبر الميدان.
كانت جماعة الحوثي السباقة في تفعيل استراتيجية الهجوم الممتد عبر الحصول على تقنيات الصواريخ والمسيرات الإيرانية، مما مكنها من استهداف مواقع حيوية وبعيدة المدى.
وفي المقابل، لم تقف القوات الشرعية مكتوفة الأيدي؛ إذ عملت على رفع كفاءتها القتالية في خطوط المواجهة، وطورت قدراتها على إلحاق أضرار مركزة بالجبهات الحوثية المتاخمة، بتركيز متزايد على سلاح المدفعية والمسيرات قصيرة المدى.
هذا التنافس التكتيكي أدى إلى تثبيت نقاط التماس الحالية، وتحويل المواجهات من حسم جيو-سياسي إلى حلبة لتبادل الضربات واستنزاف الطاقات.
ومع دخول التصعيد مرحلة الاستنزاف المفتوح، تصبح الأدوات التقليدية غير كافية لكسر حالة التعادل السلبي. ويرى مراقبون للوضع أن المتطلبات الميدانية القادمة ستفرض على القوات الشرعية الانتقال إلى مرحلة جديدة للوصول إلى العمق الحوثي.
ومن المتوقع أن تشهد المراحل المقبلة تحولاً لافتاً يتضمن:
*تفعيل الطيران الحربي:*
إعادة إدماج وتطوير القدرات الجوية للشرعية للقيام بمهام هجومية مركزة.
*اقتناء مسيرات متطورة:* الاستثمار في شراء طائرات مسيرة طويلة المدى وقادرة على تنفيذ ضربات دقيقة في عمق مناطق سيطرة الجماعة.
يبدو أن الأزمة اليمنية تتجه نحو مزيد من التكيف مع سيناريو "الحرب الذكية عن بُعد"، حيث يظل الحسم الميداني الشامل معلقاً حتى تتغير القناعات والحسابات العسكرية للطرفين بشأن الخيار البري، أو تفرضه تحولات إقليمية ودولية جديدة.
وهذا يفسر الجمود الميداني واستخدام استراتيجية "الإيذاء عن بُعد".

تعليقات
إرسال تعليق